السيد هاشم البحراني
201
حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار ( ع )
ورأيت صبيانه شعث « 1 » الشعور ، غبر « 2 » الألوان من فقرهم ، فكأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم « 3 » ، وعاودني مؤكّدا ، وكرّر عليّ مردّدا ، فأصغيت إليه سمعي ، فظن أنّي أبيعه ديني ، وأتّبع قياده مفارقا طريقتي ، فأحميت له حديدة ، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضج ضجيج ذي دنف « 4 » من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها « 5 » ، فقلت له : ثكلتك الثّواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه ؟ أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ؟ ! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها ، كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها ، فقلت : أصلة ، أم زكاة ، أم صدقة ؟ فذاك محرّم علينا أهل البيت ، فقال : لا ذا ولا ذاك ، ولكنّها هديّة ، فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين اللّه أتيتني لتخدعني ؟ أمختبط أم ذو جنّة أم تهجر ؟ فو اللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه تعالى في نملة أسلبها جلب « 6 » شعيرة ما فعلته ، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها « 7 » ، ما لعليّ ونعيم يفنى ، ولذة لا تبقى ، نعوذ باللّه من سبات « 8 » العقل ، وقبح الزلل ، وبه نستعين « 9 » . 6 - وروي معلوما أن أبا بكر توفي وعليه لبيت مال المسلمين نيّف
--> ( 1 ) شعث الشعور : مغبّر الشعور ومتلبّدها . ( 2 ) غبر الألوان : يوصف بها الجوع الشديد . ( 3 ) العظلم ( بكسر العين ) : النيلج يصبغ بها . ( 4 ) الدنف ( بفتح الدال المهملة والنون ) : المرض الثقيل الملازم . ( 5 ) الميسم ( بكسر الميم وفتح السين المهملة ) : الحديدة أو الآلة التي يوسم بها . ( 6 ) الجلب ( بضم الجيم ) : القشر . ( 7 ) تقضمها : تأكلها بأطراف الأسنان . ( 8 ) السبات ( بضم السين المهملة ) : النوم . ( 9 ) نهج البلاغة للسيّد الرضي تحقيق الدكتور : 346 - الخطبة ( 224 ) وعنه البحار ج 41 / 163 ح 57 .